الرشيد جابرالرشيد جابرنفكّر معًا
← العودة إلى المقالات

أفلام أعجبتني

فيلم Fanon: تفكيك إنسان ما بعد الاستعمار

4 دقيقة قراءة

بقلم: الرشيد جابر

العام الماضي شاهدت فيلم فانون Fanon، وهو من أفلام السيرة السياسية التي صدرت سنة 2024 وعُرضت في 2025. لم أشاهده كفيلم يحكي قصة مفكر ثوري فقط، بل كعمل يجعلنا نتوقف ونسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا لكنه ثقيل:

هل انتهى الاستعمار فعلًا عندما غادرت جيوشه، أم أنه غيّر شكله فقط؟

الفيلم من إخراج Jean-Claude Barny، ويتناول سيرة الطبيب النفسي والمفكر فرانتس فانون، أحد أبرز الأصوات التي كتبت عن الاستعمار وآثاره العميقة. لكن الفيلم لا يقدم فرانتس فانون كبطل أسطوري، بل يعرضه كإنسان كان يحاول أن يفهم ما يحدث حوله، وأن يفسر لماذا يترك الاستعمار أثرًا في النفس قبل أن يتركه في الأرض.

الفكرة الأساسية التي يركز عليها الفيلم واضحة: الاستعمار لا يحتل الأرض فقط، بل يعيد تشكيل الإنسان نفسه. يؤثر في طريقته في التفكير، في نظرته لذاته، في لغته، وحتى في شعوره بقيمته.

هذه الفكرة نجدها بوضوح في كتابات فانون، خاصة في كتابه «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء» Peau noire, masques blancs، حيث تحدث فانون عن شعور الإنسان المستعمَر بأنه ممزق بين تقليد المستعمِر واحتقار ذاته الأصلية. هذا الصراع الداخلي لا يُرى بالعين، لكنه يعيش داخل النفوس لسنوات طويلة، وقد ينتقل من جيل إلى جيل.

في الفيلم نرى فرانتس فانون، القادم من جزيرة مارتينيك، يعمل طبيبًا نفسيًا في الجزائر، لكنه يكتشف أن المرضى الذين أمامه ليسوا مجرد حالات فردية. هم ضحايا نظام كامل قائم على الإذلال والعنف.

هنا يطرح العمل سؤالًا مهمًا بشكل غير مباشر: هل كان فانون يعالج أشخاصًا فقط، أم كان يحاول فهم مرض أكبر اسمه الاستعمار؟

العمل يقترب أيضًا من أفكار فانون حول العنف، خاصة كما طرحها في كتابه «معذبو الأرض» Les Damnés de la Terre.

كثيرون فهموا كلامه على أنه تمجيد للعنف، لكن الفيلم يوضح أن فانون كان يرى العنف نتيجة انسداد طويل، حين تُغلق كل الأبواب أمام الناس، وتُحتكر السلطة، ويُحرم المجتمع من المشاركة. في هذه الحالة يصبح الانفجار تعبيرًا عن اختناق عميق، لا رغبة عشوائية في التخريب.

عندما عُرض الفيلم أثار نقاشًا واسعًا في مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة في الأوساط البان-أفريكانيزم وبعض التيارات السياسية في شمال إفريقيا. هناك من رأى أن الفيلم لم يتعمق بما يكفي في فكر فانون، واختزل أفكاره في مشاهد درامية. وهناك من اعتبر أنه أعطاه دورًا أكبر من حجمه في الثورة الجزائرية.

انضمّ فرانتس فانون إلى صفوف جبهة التحرير الوطني الجزائرية خلال حرب التحرير الممتدة بين عامي 1954 و1962، حيث وضع فكره وموقفه السياسي في خدمة القضية الاستقلالية. وقد رحل سنة 1961 عن عمر ناهز ستةً وثلاثين عامًا، متأثرًا بإصابته بسرطان الدم.

لكن بعيدًا عن هذا الجدل، الأهم هو ما الذي يمكن أن نستفيده نحن اليوم من هذا العمل.

بالنسبة لنا في تشاد، المسألة ليست تاريخًا بعيدًا. صحيح أن الاستعمار خرج رسميًا، لكن هل اختفت كل آثاره؟

ما زلنا نعيش أزمات في الحكم، وهشاشة في المؤسسات، وصراعات متكررة، واقتصادًا يعتمد على الخارج.

أحيانًا نلوم الأشخاص فقط: هذا الحاكم سيئ، هذا المسؤول فاسد. لكن هل المشكلة في الأفراد وحدهم، أم في النظام الذي يعيد إنتاج نفس المشاكل كل مرة؟

فانون كان يدفعنا للتفكير في البنية، لا في الوجوه. إذا لم تتغير طريقة إدارة الدولة، وطريقة توزيع السلطة، وثقافة الإقصاء، فسيذهب شخص ويأتي آخر، وتبقى الدائرة نفسها. هذه الفكرة مؤلمة، لكنها ضرورية إذا أردنا تغييرًا حقيقيًا.

الأمر الأصعب الذي يضعه الفيلم أمامنا هو أننا لسنا ضحايا فقط. أحيانًا ننتقد الاستعمار القديم، لكننا نمارس الإقصاء بيننا. نشتكي من الظلم التاريخي، لكننا نصمت عن ظلم يحدث اليوم. وهنا يتحول الفيلم من قصة عن الماضي إلى مرآة للحاضر.

هذا الفيلم لا يمنح إجابات جاهزة، ولا يقدم راحة فكرية. لا يقول لك من هو البطل ومن هو الشرير ببساطة. بل يجعلك تفكر في معنى التحرر الحقيقي. هل هو مجرد خروج قوة أجنبية؟

أم هو تغيير عميق في طريقة التفكير، وفي شكل الدولة، وفي علاقتنا ببعضنا البعض؟

برأيي، يستحق هذا الفيلم المشاهدة لأنه يفتح باب الأسئلة بدل أن يغلقها. يذكّرنا بأن التحرر ليس شعارًا، بل عملية طويلة تبدأ من داخل الإنسان، ومن داخل المجتمع.

والسؤال الذي يتركه معنا ليس: هل أعجبنا الفيلم؟

بل: هل نحن مستعدون لنراجع أنفسنا بصدق؟

#أفلام_أعجبتني

مقالاتي

أفلام أعجبتني

فيلم Orwell: 2+2=5

بقلم: الرشيد جابرهناك أفلام لا تُشاهَد للتسلية، بل لتفكيك العالم من حولنا.أفلام لا تمنحك متعة الحكاية فقط، بل تضعك أمام سؤال مزعج: من يملك تعريف الواقع؟هذا بالضبط ما يفعله الوثائقي

لنفتح باب الحوار

تواصل معي ↗