فيلم Fanon: تفكيك إنسان ما بعد الاستعمار
بقلم: الرشيد جابرالعام الماضي شاهدت فيلم فانون Fanon، وهو من أفلام السيرة السياسية التي صدرت سنة 2024 وعُرضت في 2025. لم أشاهده كفيلم يحكي قصة مفكر ثوري فقط، بل كعمل يجعلنا نتوقف و
الرشيد جابرنفكّر معًاأفلام أعجبتني
بقلم: الرشيد جابر
هناك أفلام لا تُشاهَد للتسلية، بل لتفكيك العالم من حولنا.
أفلام لا تمنحك متعة الحكاية فقط، بل تضعك أمام سؤال مزعج: من يملك تعريف الواقع؟
هذا بالضبط ما يفعله الوثائقي Orwell: 2+2=5 للمخرج الهايتي Raoul Peck.
الفيلم لا يستعيد جورج أورويل من باب الاحتفاء الأدبي بكاتب كلاسيكي، بل يعود إليه لأن عالمه يبدو اليوم أقرب إلينا من أي وقت مضى. وكأن ما كتبه في روايته 1984 لم يعد مجرد خيال سياسي، بل أصبح جزءًا من لغتنا اليومية في الإعلام والسياسة والخطاب العام، وفي تلك اللغة التي تُستخدم يوميًا لتجميل الفشل وتبرير القبح.
الفيلم يذكّرك بأن السلطة لا تريد فقط أن تحكم الناس، بل أن تتحكّم أيضًا في وعيهم.
لا تكتفي بأن تقول لك ماذا حدث، بل تريد أن تفرض عليك كيف تفهم ما حدث، وبأي لغة تصفه، وما إذا كان يحق لك أصلًا أن تشكك فيه.
لهذا تصبح عبارة 2 + 2 = 5 أكثر من مجرد صدمة.
فهي لا تتعلق بالحساب، بل بإخضاع العقل. عن تلك اللحظة التي لا تعود فيها السلطة بحاجة إلى إقناعك بالحقيقة، لأنها تفضّل أن تُتعبك، وتُغرقك في الضجيج، وتُشوّش قدرتك على التفكير، حتى يصبح الكذب عاديًا، ثم مقبولًا، ثم محترمًا، ثم يُقدَّم لك في النهاية بوصفه موقفًا وطنيًا أو قراءة “عقلانية”.
هنا يصبح الفيلم قريبًا جدًا من واقعنا في تشاد.
فنحن لا نعيش فقط أزمة حكم، بل أيضًا أزمة حقيقة. أزمة تتعلق بمن يملك حق تسمية الأشياء:
من يقرر أن الفشل ليس فشلًا بل “تحديات”؟
وأن القمع ليس قمعًا بل “حفاظًا على الاستقرار”؟
وأن الفساد ليس فسادًا بل “اختلالات”؟
وعندما يكون جزء كبير من الإعلام خاضعًا للدولة أو للمقرّبين من السلطة، أو مرتبطًا في بقائه بما يتلقاه من دعم رسمي، يصبح من الصعب الحديث عن استقلال فعلي. فالإعلام هنا لا ينقل الواقع كما هو، بقدر ما يعيد إنتاج الروايات التي يصوغها من يملك النفوذ والتمويل.
وعند هذه النقطة، لا يعود دوره مقتصرًا على نقل الأحداث، بل يتحول إلى شريك في إعادة تشكيل معناها. فهو لا يكتفي بأن يقول لك: هذا ما حدث، بل يذهب أبعد من ذلك ليحدد لك كيف ينبغي أن تفهم ما حدث، وأي تفسير يحق له أن يبدو مشروعًا، وأي قراءة أخرى يجب أن تُقدَّم بوصفها سوء نية، أو تشاؤمًا، أو جهلًا.
وهذا ما يمكن تسميته بـ le cadrage médiatique، أي فرض الإطار الذي يُطلب من الناس أن يفهموا من خلاله الأحداث.
وفي تشاد نعرف هذه اللعبة جيدًا.
خطاب رسمي يتحدث عن التنمية والاستقرار والنهضة، بينما يرى المواطن بعينه واقعًا مختلفًا تمامًا: خدمات ضعيفة، ونظامًا تعليميًا مرهقًا، وبطالة، وهشاشة، وفجوة واسعة بين لغة الخطب وحقيقة الحياة اليومية.
لكن المشكلة لا تكمن فقط في المسافة بين الكلام والفعل، بل في شيء أعمق وأكثر خطورة: أن الناس يُطلَب منهم كل يوم أن يحترموا الرواية الرسمية أكثر من احترامهم للواقع نفسه، وأن يصدّقوا ما يُقال لهم عن الأشياء، لا ما يرونه بأعينهم ويعيشونه في تفاصيل حياتهم.
هنا تتجلّى عبقرية أورويل، ويتجلّى معها أيضًا وجهه المرعب.
لقد فهم مبكرًا أن الاستبداد لا ينتصر بالعصا وحدها، بل ينتصر كذلك بالقاموس. فهو لا يحتاج دائمًا إلى إسكاتك؛ أحيانًا يكفيه أن يفسد اللغة نفسها، وأن يعيد تشكيل الكلمات بحيث تفقد معناها الأصلي، ثم تُشحَن بمعان جديدة تخدم السلطة وتبرّر سلوكها.
وهذا ما سمّاه Newspeak أو la novlangue:
تلك اللغة المصنوعة بعناية لتفريغ الكلمات من حقيقتها، ثم إعادة تعبئتها بما يناسب خطاب الهيمنة.
عندها يصبح الفشل «إصلاحًا تدريجيًا»،
ويصبح الإخفاق «رؤية استراتيجية»،
ويصبح الصمت «حكمة»،
ويصبح تكرار الرداءة «استقرارًا»،
ويصبح التعديل الدستوري «إصلاحات تقنية»،
ويغدو الاعتراض على كل ذلك مجرد قلة أدب سياسي، أو سوء فهم، أو خروج عن مقتضيات المسؤولية الوطنية.
لكن ما يجعل المسألة أكثر تعقيدًا اليوم هو العصر الرقمي.
في الماضي كان القمع يقوم على المنع، أما اليوم فكثيرًا ما يقوم على الإغراق.
لم يعد ضروريًا حجب الحقيقة؛ يكفي دفنها تحت سيل من الأخبار، والمقاطع المبتورة، والجدالات العقيمة، والمحللين الموسميين، والمؤثرين والتيكتوكرات الذين يحوّلون كل مأساة إلى محتوى.
لم نعد فقط في زمن الأخ الأكبر الذي يراقب،
بل أيضًا في زمن الضجيج الأكبر الذي يبتلع المعنى.
وهنا يصبح سؤال الفيلم سؤالنا نحن:
كيف يمكن للحقيقة أن تعيش في عالم تُنتَج فيه الأكذوبة بسرعة أكبر، وتُموَّل أكثر، وتُسوَّق أفضل، وتُغلَّف بلغة أخلاقية ووطنية وعقلانية؟
في النهاية، Orwell: 2+2=5 ليس مجرد فيلم عن أورويل، بل عن عصر كامل. عصر أصبحت فيه السياسة فن إدارة الروايات، وأصبح فيه الإعلام معركة على المعنى قبل أن يكون معركة على الخبر، وأصبح فيه الدفاع عن الحقيقة فعلًا مزعجًا لأنه يفضح أكثر مما ينبغي.
ولعل هذا هو درسه الأهم:
أن أخطر أشكال الطغيان ليس ذلك الذي يمنعك من الكلام فقط،
بل ذلك الذي يفسد اللغة التي تتكلم بها، ويشوّه المعايير التي تفكر بها، ثم يجعلك، شيئًا فشيئًا، تشك في أبسط ما تراه بعينك.
وعندها لا يعود السؤال: من يحكم؟
بل: من يملك تعريف الواقع؟
وهذه، للأسف، هي المعركة الحقيقية اليوم.
#أفلام_أعجبتني
بقلم: الرشيد جابرالعام الماضي شاهدت فيلم فانون Fanon، وهو من أفلام السيرة السياسية التي صدرت سنة 2024 وعُرضت في 2025. لم أشاهده كفيلم يحكي قصة مفكر ثوري فقط، بل كعمل يجعلنا نتوقف و