عنف النخبة: كيف تُصنع الهيمنة وتبدو طبيعية؟
لا تُمارَس الهيمنة دائمًا بالقوة أو السلاح؛ فقد تعمل بهدوء، فتحدد ما يُعدّ تعليمًا جيدًا، ومن يستحق الاحترام، وأي لغة تبدو “راقية”، وأي طريق يُقدَّم بوصفه المسار الطبيعي للنجاح.يرى
الرشيد جابرنفكّر معًاقبل أيام شاهدت فيلم Gourou «غورو»، الذي بدأ عرضه في قاعات السينما الفرنسية في 28 يناير 2026.
ليس من تلك الأفلام التي تشاهدها للتسلية ثم تنساها، بل يضعك منذ البداية أمام سؤال مقلق:
ماذا يحدث حين يتحول البحث عن المعنى إلى صناعة؟ وحين تتحول التنمية البشرية من أداة للمساعدة إلى عقيدة؟
الفيلم من إخراج Yann Gozlan، وبطولة Pierre Niney، الذي لا يؤدي شخصية «مات» بقدر ما يتماهى معها. أداء كاريزمي ومربك، يجعلك أحيانًا تقع تحت تأثير الشخصية نفسها قبل أن تبدأ في تفكيك خطابها.
تدور القصة حول «مات»، أشهر مدرب للتنمية البشرية في فرنسا: ملايين المتابعين، قاعات مكتظة، خطابات حماسية، ووعود بالخلاص الفردي في مجتمع أصبحت فيه فكرة النجاح شبه مقدسة.
أتباعه يشعرون بأنهم وُلدوا من جديد، بينما تنظر السلطات إلى الظاهرة بقلق، بالتزامن مع مشروع قانون لتنظيم مهنة التدريب. ومن هنا يبدأ «مات» رحلة هروب إلى الأمام، تختلط فيها الشهرة بالهوس، والثقة بالنفس بجنون العظمة، وتظهر تدريجيًا الآثار التي يمكن أن يتركها هذا النوع من الخطاب في حياة من يصدقونه.
ذكاء «غورو»، بالنسبة لي، لا يكمن في شيطنة التنمية البشرية نفسها، بل في التقاط اللحظة التي تتحول فيها إلى سوق لبيع المعنى.
هنا لا يعود الخطاب التحفيزي مجرد نصيحة، بل يتحول تدريجيًا إلى أيديولوجيا ناعمة؛ يصبح فيها المدرب زعيمًا، والجمهور أتباعًا.
والسؤال الأهم الذي يطرحه الفيلم ليس:
هل ما يقوله الغورو صحيح أم خطأ؟
بل:
لماذا نرغب أصلًا في تصديقه بكل هذا الشغف؟
في المجتمعات المرهقة والمرتبكة، يظهر «الغورو» ليبيع للناس ما يبحثون عنه:
يقينًا سريعًا، ووصفة جاهزة للنجاح، وتفسيرًا بسيطًا لحياة شديدة التعقيد.
ومع التصفيق الجماعي والتقديس المستمر لمدرب التنمية البشرية، تبدأ الحدود في التلاشي بين الإلهام والتلقين، وبين المساعدة والهيمنة، وبين النصيحة والطاعة.
قد يبدو الفيلم فرنسي السياق، لكنه في رأيي تشادي الجوهر أيضًا.
ففي واقعنا، حيث ضعف المؤسسات وضغط الحياة اليومية والبحث المستمر عن مخارج سريعة، نجد النموذج نفسه بأشكال مختلفة:
«المنقذ»، و«المدرب الذي يعرف كل شيء»، و«الزعيم الكاريزمي»؛ دينيًا كان، أو سياسيًا، أو اجتماعيًا، أو مجرد مدّعٍ يمتلك ميكروفونًا وجمهورًا.
الآلية واحدة تقريبًا:
خطاب واثق، جمهور متعطش، ووعي مُستعار بدل وعي يُنتَج بالتفكير والنقد والتجربة.
لذلك أعتقد أن «غورو» ليس مجرد فيلم عن مدرب تنمية بشرية، بل عن عصر كامل يبحث عن خلاص سريع، حتى لو كان هذا الخلاص وهمًا متقن الإخراج.
سأعود إلى الفيلم لاحقًا وأربطه أكثر بواقعنا، لأن أخطر ما في «الغورو» ليس دائمًا ما يقوله لنا…
بل استعدادنا لتصديقه دون أن نسأل.
#أفلام_أعجبتني
لا تُمارَس الهيمنة دائمًا بالقوة أو السلاح؛ فقد تعمل بهدوء، فتحدد ما يُعدّ تعليمًا جيدًا، ومن يستحق الاحترام، وأي لغة تبدو “راقية”، وأي طريق يُقدَّم بوصفه المسار الطبيعي للنجاح.يرى