الرشيد جابرالرشيد جابرنفكّر معًا
← العودة إلى المقالات

عنف النخبة: كيف تُصنع الهيمنة وتبدو طبيعية؟

3 دقيقة قراءة

لا تُمارَس الهيمنة دائمًا بالقوة أو السلاح؛ فقد تعمل بهدوء، فتحدد ما يُعدّ تعليمًا جيدًا، ومن يستحق الاحترام، وأي لغة تبدو “راقية”، وأي طريق يُقدَّم بوصفه المسار الطبيعي للنجاح.

يرى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو أن المجتمع ساحة للتنافس على النفوذ والموارد. ويختلف موقع الناس فيه بحسب ما يملكونه من رؤوس أموال.

ومن أمثلتها: رأس المال الاقتصادي، كالمال والممتلكات؛ والثقافي، كالشهادات واللغة والمعارف؛ والاجتماعي، كالعلاقات والشبكات؛ والرمزي، كالمكانة والاعتراف والهيبة. وقد يتحول أحدها إلى آخر؛ فالمال يتيح تعليمًا أفضل، والتعليم قد يقود إلى وظيفة مرموقة، والعلاقات قد تفتح أبوابًا لا تُتاح للجميع

ولا ينتقل الامتياز بالمال وحده. فالأسرة تنقل إلى أبنائها أساليب الكلام والثقة بالنفس، كما تعلّمهم التعامل مع المدرسة والجامعة ومؤسسات العمل. ويسمي بورديو العادات والتصورات التي يكتسبها الإنسان من بيئته “الهابيتوس”. وهي تؤثر في اختياراته وفي نظرته إلى ما يستطيع تحقيقه؛ فبعض الناس ينشؤون وهم يعرفون كيف يصلون إلى الفرص، بينما يواجهها آخرون من دون الأدوات نفسها.

هنا يظهر العنف الرمزي: حين تُقدَّم معايير الفئة الأقوى كما لو كانت محايدة وعامة، ويُحمَّل من لا يملكها مسؤولية تعثره. فقد تُعامل لهجة بعينها بوصفها دليلًا على ضعف الكفاءة، أو يُنظر إلى القدرة على تحمل تكاليف التعليم الجيد كأنها دليل على الاستحقاق والذكاء. وهكذا يبدو النجاح ثمرة جهد فردي خالص، مع أن فرص الوصول إليه موزعة بصورة غير متكافئة. ولا يشترط هذا العنف وجود مؤامرة مخططة؛ فقد يستمر حين تُخفى علاقات القوة خلف أحكام تبدو طبيعية أو عادلة.

وتكشف المدرسة جانبًا من هذه الآلية. فعندما تكافئ المؤسسة التعليمية لغةً أو معارف اكتسبها بعض التلاميذ في بيوتهم قبل دخول الصف، قد تبدو النتائج وكأنها تقيس الموهبة وحدها. وحين تتركز المدارس الأفضل في الأحياء الميسورة، أو تصبح الجامعات المرموقة أقرب إلى من يملكون المال والعلاقات والمعرفة بقواعد القبول، يمكن للتعليم أن يفتح أبوابًا، لكنه قد يعيد أيضًا إنتاج التفاوت. وقد تناول بورديو وجان كلود باسرون دور التعليم في إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية.

ولا يقتصر الأمر على المدرسة. ففي السياسة، قد تتحول أسماء العائلات وشبكات المصالح إلى طريق أقصر نحو المناصب. وفي سوق العمل، قد تفتح التوصيات والجامعات المرموقة أبواب المقابلات لمن يملك شبكة العلاقات المناسبة. وفي الإعلام، قد تحتكر فئات معينة تعريف “الكفاءة” و”الواقعية”، بينما تُهمَّش خبرات الناس الذين يتحملون تبعات القرارات.

ومن هذا المنظور، يمكن فهم سعي بعضهم إلى شراء لقب أو تزوير شهادة؛ فالشهادة رأس مال ثقافي معترف به رسميًا، وقد تفتح لصاحبها أبواب المكانة والفرص. لكن تفسير الدافع الاجتماعي لا يبرر الفعل ولا يعفي صاحبه من المسؤولية. كذلك، فإن دفاع طالب عن أستاذ متهم بالفساد لا يجعله تلقائيًا ضحيةً للعنف الرمزي؛ فقد يكون دافعه الخوف أو المصلحة أو الولاء، والتحليل الدقيق يقتضي التمييز بين هذه الاحتمالات.

لا يقتصر عنف النخبة على الإكراه المباشر أو احتكار الموارد؛ بل يظهر أيضًا في وضع قواعد تحفظ الامتياز، وفي مطالبة الناس بالتكيف مع التفاوت بدل مساءلته. لذلك لا يكفي أن نصف المجتمع بأنه ساحة صراع بين القبائل أو الطبقات أو العائلات. علينا أن نسأل: من يحدد قيمة الشهادة والكفاءة؟ من يملك فرص الوصول إلى التعليم والموارد؟ وكيف تُقدَّم امتيازات فئة بعينها على أنها استحقاق طبيعي؟

حين نطرح هذه الأسئلة، لا نبحث عن كبش فداء، بل نحاول تفكيك الآليات التي تُبقي التفاوت قائمًا وتجعله يبدو أمرًا عاديًا.

مرتكزات نظرية: بيير بورديو، “أشكال رأس المال”؛ بيير بورديو وجان كلود باسرون، “إعادة الإنتاج”.

#خربشات

مقالاتي

«غورو»… أنبياء التنمية البشرية

قبل أيام شاهدت فيلم Gourou «غورو»، الذي بدأ عرضه في قاعات السينما الفرنسية في 28 يناير 2026.ليس من تلك الأفلام التي تشاهدها للتسلية ثم تنساها، بل يضعك منذ البداية أمام سؤال مقلق:ما

لنفتح باب الحوار

تواصل معي ↗