الرشيد جابرالرشيد جابرنفكّر معًا
← العودة إلى المقالات

الحكم قبل المعرفة

2 دقيقة قراءة

بقلم: الرشيد جابر

قد نقرأ عنوانًا فنحكم على مقال أو كتاب لم نقرأه، أو نشاهد مقطعًا قصيرًا فنحاكم صاحبه، أو نسمع رقمًا عن مشروع فنقرر أنه دليل على الفساد أو الإنجاز، قبل أن نعرف تفاصيله. ثم ننشغل بالدفاع عن الحكم أكثر من انشغالنا بفحص الأساس الذي بنيناه عليه.

في كتابه «دماغك يخدعك» (Votre cerveau vous joue des tours)، يناقش ألبيرت مخيبر (Albert Moukheiber)، الدكتور في علوم الأعصاب المعرفية والأخصائي في علم النفس السريري، آليات تجعلنا نخطئ حتى حين نعتقد أننا نحكم بموضوعية. فالدماغ يستخدم التقريب والتفسير لبناء صورة متماسكة عن عالم معقّد، لكن تماسك الصورة في أذهاننا لا يضمن صحتها.

ويتناول الكتاب الانحيازات المعرفية، ومنها «انحياز التأكيد»: ميلنا إلى الاهتمام بالمعلومات التي تؤيد معتقداتنا، والتقليل من شأن ما يناقضها. وهكذا قد نبدأ بموقف مسبق، ثم نبحث له عن أدلة، بدل أن نترك للأدلة فرصة تشكيل موقفنا.

في نقاشاتنا اليومية، يسهل أن نلاحظ ذلك عند الآخرين: من نحب نلتمس له السياق والأعذار، ومن نختلف معه نعدّ زلّته كشفًا لحقيقته. وقد نطالب بدليل صارم حين لا يعجبنا الخبر، ثم نكتفي بعبارة «الأمر واضح» حين يوافق توقعاتنا. هنا يصبح السؤال الضروري: هل نستخدم المعيار نفسه مع الجميع؟

ويتناول مخيبر أيضًا «وهم المعرفة»، الذي يدعونا إلى التمييز بين شعورنا بأننا نفهم موضوعًا وبين قدرتنا على شرحه فعلًا. فقد نألف مصطلحًا لكثرة تداوله، ثم نتصور أننا نحيط بمعناه. لكن الألفة بالكلمات لا تكفي لفهم العلاقات والأسباب والنتائج. يكفي أحيانًا أن نحاول شرح فكرة بتفاصيلها حتى نكتشف حجم الأسئلة التي لم نطرحها.

ولنأخذ مثالًا: القول إن تكلفة مشروع مرتفعة يفتح سؤالًا مشروعًا، لكنه لا يجيب وحده عن أسباب الارتفاع. نحتاج إلى معرفة نطاق الأعمال، والمواصفات، وظروف التنفيذ، وأساس المقارنة. وبالمثل، فإن إعلان اكتمال مشروع لا يكفي للحكم على جودته أو جدواه. فالحكم الجاد يحتاج إلى معطيات تتجاوز الرقم والصورة والانطباع.

ولا تمنحنا معرفة أسماء الانحيازات حصانةً منها؛ فمن السهل أن نجعلها أوصافًا نلصقها بالمخالفين، بينما نعفي أنفسنا من المراجعة. لذلك يبدأ التفكير النقدي بسؤال شخصي: ما الذي قد أكون أغفلته؟ وما الدليل الذي لو ظهر سيدفعني إلى تغيير رأيي؟

لا يعني ذلك تعليق أحكامنا إلى الأبد، بل أن تتناسب درجة يقيننا مع قوة الأدلة المتاحة، وأن نستطيع قول: «هذا ما أرجّحه الآن»، أو «لا أعرف بعد».

النقد حق، والمطالبة بالشفافية واجب، لكن بين الانطباع الشخصي والحكم الموضوعي مسافة اسمها: المعرفة والمعطيات. وتغيير الرأي بعد اتضاح الوقائع علامة على أننا ما زلنا نتعلّم.

#خربشات

مقالاتي

عنف النخبة: كيف تُصنع الهيمنة وتبدو طبيعية؟

لا تُمارَس الهيمنة دائمًا بالقوة أو السلاح؛ فقد تعمل بهدوء، فتحدد ما يُعدّ تعليمًا جيدًا، ومن يستحق الاحترام، وأي لغة تبدو “راقية”، وأي طريق يُقدَّم بوصفه المسار الطبيعي للنجاح.يرى

«غورو»… أنبياء التنمية البشرية

قبل أيام شاهدت فيلم Gourou «غورو»، الذي بدأ عرضه في قاعات السينما الفرنسية في 28 يناير 2026.ليس من تلك الأفلام التي تشاهدها للتسلية ثم تنساها، بل يضعك منذ البداية أمام سؤال مقلق:ما

وهم الأنظمة الأبدية

بقلم: الرشيد جابرحين يبقى نظام سياسي في الحكم لعقود، تكبر أجيال لم تعرف غيره، وتتداخل صورة الدولة مع صورة السلطة، حتى يصعب تخيّل مستقبل من دونه. وهكذا يتحول الاعتياد على بقائه إلى

لنفتح باب الحوار

تواصل معي ↗