الرشيد جابرالرشيد جابرنفكّر معًا
← العودة إلى المقالات

الهندسة والفن… حكاية ترميم يحترم ذاكرة المكان

2 دقيقة قراءة

بقلم: الرشيد جابر

في الهندسة المدنية، لا تقتصر متعة العمل على تشييد المباني والجسور، بل تمتد أحيانًا إلى مشاريع تجمع بين الفن والتاريخ والحفاظ على التراث.

من التجارب المهنية التي أعتز بها مشاركتي في مشروع ترميم متحف أنطوان فيرتز (Musée Antoine Wiertz) في بروكسل، حيث توليت، ضمن أعمال المشروع، مهمة تركيب مجموعة من التماثيل الكلاسيكية في حديقة المتحف.

من بينها نسخة من تمثال «ديانا الغابية» (Diane de Gabies)، وهو تمثال روماني مستوحى من الفن اليوناني القديم، يُحفظ أصله المعروف في متحف اللوفر بباريس.

لإنجاز هذه الأعمال، تعاونّا مع إحدى أكبر الورش الفنية المتخصصة في بروكسل، التي تولّت إعادة إنتاج المنحوتات بعد الحصول على الحقوق والتراخيص اللازمة.

لكن التحدي الحقيقي لم يكن فنيًا فحسب، بل كان هندسيًا أيضًا.

فالمتحف مبنى تراثي محمي، وهو ما فرض علينا قيودًا صارمة على التدخل في حديقته، خصوصًا أعمال الحفر وإنشاء الأساسات الخرسانية التقليدية اللازمة لحمل التماثيل.

كان علينا إيجاد حل يضمن استقرار المنحوتات وسلامتها، مع تقليل التدخل في الأرض والحفاظ على الطابع التاريخي للمكان.

لذلك اعتمدنا نظام تأسيس باستخدام الخوازيق الصغيرة (Micropieux)، مع قاعدة معدنية مكسوّة بالحجر الطبيعي، تجمع بين المتطلبات الإنشائية والانسجام الجمالي مع محيط المتحف.

وتُظهر صور المشروع مراحل تركيب عناصر التأسيس والقواعد المعدنية، ثم النتيجة النهائية بعد تثبيت المنحوتات وكسوة قواعدها بالحجر الطبيعي.

هذه التجربة ذكّرتني بأن الهندسة ليست مجرد حسابات وخرسانة وحديد، بل هي أيضًا فن إيجاد الحلول المناسبة ضمن قيود الواقع، وأن نجاح المشروع لا يُقاس فقط بما نضيفه إلى المكان، بل أحيانًا بما ننجح في الحفاظ عليه.

ففي مشاريع التراث، لا تكمن براعة المهندس في قدرته على البناء وحدها، بل في معرفته كيف يتدخل بأقل قدر ممكن، ويحافظ على أكبر قدر ممكن.

#خربشات

مقالاتي

عنف النخبة: كيف تُصنع الهيمنة وتبدو طبيعية؟

لا تُمارَس الهيمنة دائمًا بالقوة أو السلاح؛ فقد تعمل بهدوء، فتحدد ما يُعدّ تعليمًا جيدًا، ومن يستحق الاحترام، وأي لغة تبدو “راقية”، وأي طريق يُقدَّم بوصفه المسار الطبيعي للنجاح.يرى

«غورو»… أنبياء التنمية البشرية

قبل أيام شاهدت فيلم Gourou «غورو»، الذي بدأ عرضه في قاعات السينما الفرنسية في 28 يناير 2026.ليس من تلك الأفلام التي تشاهدها للتسلية ثم تنساها، بل يضعك منذ البداية أمام سؤال مقلق:ما

وهم الأنظمة الأبدية

بقلم: الرشيد جابرحين يبقى نظام سياسي في الحكم لعقود، تكبر أجيال لم تعرف غيره، وتتداخل صورة الدولة مع صورة السلطة، حتى يصعب تخيّل مستقبل من دونه. وهكذا يتحول الاعتياد على بقائه إلى

لنفتح باب الحوار

تواصل معي ↗